فخر الدين الرازي

16

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وما يستوي الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) * . لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر ، وهدى الله المؤمن من ضرب لهم مثلاً بالبصير والأعمى ، فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر أعمى ، وفي تفسير الآية مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في تكثير الأمثلة ههنا حيث ذكر الأعمى والبصير ، والظلمة والنور ، والظل والحرور ، والأحياء والأموات ؟ فنقول الأول مثل المؤمن والكافر فالمؤمن بصير والكافر أعمى ، ثم إن البصير وإن كان حديد البصر ولكن لا يبصر شيئاً إن لم يكن في ضوء فذكر للإيمان والكفر مثلاً ، وقال الإيمان نور والمؤمن بصير والبصير لا يخفى عليه النور ، والكفر ظلمة والكافر أعمى فله صاد فوق صاد ، ثم ذكر لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور ، فالمؤمن بإيمانه في ظل وراحة والكافر بكفره في حر وتعب ، ثم قال تعالى : * ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) * مثلاً آخر في حق المؤمن والكافر كأنه قال تعالى حال المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير ، فإن الأعمى يشارك البصير في إدراك ما . والكافر غير مدرك إدراكاً نافعاً فهو كالميت ويدل على ما ذكرنا أنه تعالى أعاد الفعل حيث قال أولاً : * ( وما يستوي الأعمى والبصير ) * وعطف الظلمات والنور والظل والحرور ، ثم أعاد الفعل ، وقال : * ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) * كأنه جعل هذا مقابلاً لذلك . المسألة الثانية : كرر كلمة النفي بين الظلمات والنور والظل والحرور والأحياء الأموات ، ولم يكرر بين الأعمى والبصير ، وذلك لأن التكرير للتأكيد والمنافاة بين الظلمة والنور والظل والحرور مضادة ، فالظلمة تنافي النور وتضاده والعمى والبصر كذلك ، أما الأعمى والبصير ليس كذلك بل الشخص الواحد قد يكون بصيراً وهو بعينه يصير أعمى ، فالأعمى والبصير لا منافاة بينهما إلا من حيث الوصف ، والظل والحرور والمنافاة بينهما ذاتية لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد فلما كانت المنافاة هناك أتم ، أكد بالتكرار ، وأما الأحياء والأموات ، وإن كانوا كالأعمى والبصير من حيث إن الجسم الواحد يكون حياً محلاً للحياة فيصير ميتاً محلاً للموت ولكن المنافاة بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ، كما بينا أن الأعمى والبصير يشتركان في إدراك أشياء ، ولا كذلك الحي والميت ، كيف والميت يخالف الحي في الحقيقة لا في الوصف على ما تبين في الحكمة الإلهية .